الكاتب بقلم: آفي يسسخروف
مثلث الحدود مصر – إسرائيل – قطاع غزة. الجنود المصريون الذين شغلوا يوم الاثنين الاستحكام المحصن في ساعات الظهيرة، بدوا مختلفين جدا عن الجنود الذين كانوا هنا حتى قبل بضعة أسابيع. بعد العملية في الاستحكام المصري، الذي قتل فيه 17 جنديا ظهر هناك جنود ذوي مسحة مهملة على نحو خاص – ببزاتهم ومعداتهم. فهم ليسوا مناسبين، بأقل تعبير، للأعمال ضد محافل الإرهاب. الجنود الذين التقيناهم هذا الأسبوع، عند معبر كرم سالم، بدوا من وحدة أخرى: يعتمرون الخوذات، يلبسون الواقيات والكلاشينكوف جاهز للعمل. ولكن الفارق الأساس كان ان الجدد أقل تحببا بكثير. على الفور أشاروا بأصابعهم إلى المصور يقولون له "لا تصور".
رغم هذا
التأهب في حركة الجنود، من الصعب القول أن النشاط العسكري المصري في أرجاء سيناء بات أكثر كثافة. ففي الأسبوع الأول من العملية عملت مروحيات ومجنزرات ضد بعض خلايا المسلحين المتطرفين. أما هذا الأسبوع فتكاد لا تكون تقارير عن أحداث إطلاق نار أو اعتقالات. وسجل الهدوء النسبي إلى جانب تقارير في وسائل الإعلام المصرية عن "هدنة" بين الجهاديين في سيناء والجيش المصري.
ونفت وزارة الدفاع في القاهرة هذه التقارير وفي صباح يوم الأربعاء ادعت بان الجيش بالذات يوسع نشاطه في سيناء. ولكن في نفس اليوم نشرت وكالة "اي.بي" للأنباء بأن الإسلاميين السابقين – الذين أصبحوا بعد تحررهم من السجن مبعوثين بتكليف من محمد مرسي، حققوا تفاهمات مع الجهاديين في سيناء على وقف متبادل للقتال. وحسب أولئك المتطرفين في الاحتياط، اتفق الطرفان على توحيد القوى ضد الجهات الأجنبية الساعية إلى ضرب الأهداف المصرية. يبدو أن مرسي، الذي فهم قيود جيشه في العملية ضد المسلحين في وسط سيناء – ولا سيما في المناطق الجبلية لجبل حلال – فضل التوقف عن القتال والتوصل إلى تفاهم حتى لو وقع هذا مع الشيطان.
ولكن مرسي، الذي يذكر بسلوكه نمط معالجة حماس للجهاديين في غزة قد يكتشف، بالضبط مثل حكام القطاع، ماذا يحصل لمن يذهب إلى النوم مع الكلاب. إذا أوقف الآن الحملة العسكرية ضد المسلحين في سيناء، دون تطهير شبه الجزيرة من عناصر الإرهاب، من شأنه أن يستيقظ مع جملة قرصات من البراغيث. وبتعبير آخر، مع عمليات في القاهرة وفي الإسكندرية. وربما أيضا مع ما يفضله على ما يبدو من ناحيته – مع عمليات ضد أهداف إسرائيلية.
معبر بدلا من نفق
على مسافة نحو كيلو متر من مثلث الحدود، باتجاه الشمال الغربي، تواصل الجرافات المصرية هدم الأنفاق من رفح المصرية إلى القطاع. وتتركز الأعمال هناك على "الأنفاق غير القانونية" – الاسم الحركي لأنفاق غير الخاضعة لرقابة حماس في الطرف الفلسطيني. حتى الآن هدم المصريون نحو 120 من اصل نحو 1.200 نفق فاعل. ضرب النشاط التجاري التحت أرضي زاد وتيرة عبور البضائع من إسرائيل إلى القطاع، عبر كرم سالم.
عندما يجري تهريب البضائع في الأنفاق دون عراقيل، فان الطلب على البضائع الإسرائيلية في غزة ينخفض. كل توقف في الحركة المصرية في الأنفاق (مثلا أثناء إغلاق حماس لها) يرفض على الفور الطلب على البضائع الإسرائيلية. وفي الأيام الأخيرة عاد تجار الطحين والسكر الغزيون إلى شراء البضائع من إسرائيل، بعد اشهر طويلة من شرائهم إياها من مصر وإدخالها إلى غزة عبر الأنفاق.
كرم سالم، هو معبر البضائع الوحيد الذي يعمل اليوم بين القطاع وإسرائيل. من الصعب إيجاد نموذج أفضل للعلاقات المركبة بين إسرائيل وحماس من النشاط اليومي هناك. بهدوء، دون جذب أي اهتمام، تقريبا، يجري في المعبر نشاط تجاري مثير للانطباع. الأرقام تتحدث من تلقاء ذاتها. عشية الأسطول الشهير إلى غزة، في أيار 2010، مر في كرم سالم نحو 60 – 70 شاحنة في اليوم. أما اليوم، كما يقول رئيس مديرية المعابر في وزارة الدفاع، فتمر نحو 250 شاحنة.
والاستثمار في التنمية يتناسب مع ذلك أيضا: نحو 75 مليون شيكل استثمرت في بناء وتوسيع المعبر منذ أيار 2010. وهو جاهز اليوم لإدخال نحو 450 شاحنة في اليوم إلى القطاع. في الطرف الإسرائيلي من المعبر يدعون بأنه صحيح حتى اليوم، الطلب الفلسطيني على البضائع لا يحتاج إلى أكثر من 250 شاحنة – ولا سيما بسبب التوريد الجاري عبر الأنفاق.
ويثبت النشاط في المعبر كم فارغة من المضمون شعارات حماس حول "الجهاد" أو القتال ضد إسرائيل. في كل مفهوم ممكن نجد أن حماس تتعاون اليوم مع إسرائيل، بشكل غير مباشر، للحفاظ على هدوء في القطاع وعلى نشاط اقتصادي معقول. وصحيح أن المنظمة لا تتواجد جسديا في الطرف الغزي من المعبر، إلا أنها تتحكم بطرق الوصول إليه ومسؤولة عن حراسته. "ب"، عامل فلسطيني يعمل في المكان، روى لـ "هآرتس" بأنه من أجل العمل في المعبر يحتاج إلى شهادة عامل تصدرها حماس. وتحتاج حماس إلى معبر مفتوح لإسرائيل، تماما مثل الأنفاق إلى مصر.
المعبر الفلسطيني تديره عائلتان، شخيبر وعقل، حصلتا على الامتياز من السلطة الفلسطينية في رام الله، ولكن ليس قبل حصولهما على الإذن من حماس أيضا. والعائلتان مسؤولتان عن الأمن في المعبر في الطرف الفلسطيني (بدون سلاح)، بينما تحرس حماس المكان من الخارج. التنسيق مع إسرائيل يقوم به مندوب وزارة التجارة والصناعة في رام الله، رياض فتوح، الذي يوجد على اتصال مع حكم حماس في غزة ومبعوثيه.
في الطرف الإسرائيلي يصفون التعاون بأنه "مدهش"، ليس أقل. فالمطالب الأمنية تطبق أيضا في الطرف الفلسطيني، وللإسرائيليين توجد قدرة على رؤية ما يجري هناك في كل لحظة.
ولكن لا يوجد اتصال حقيقي بين العاملين الإسرائيليين والفلسطينيين. في الوسط، بين المعبرين، توجد منطقة تعرف أنها "مطهرة". هناك يتم إنزال البضائع الوافدة من إسرائيل. الشاحنات تجتاز فحصا أمنيا متشددا في الطرف الإسرائيلي، في جهاز كشف ضخم يبدو كالوحش. بعد خروج السواقين الإسرائيليين، يدخل "وسطاء" إلى المنطقة المطهرة – عاملون اجتازوا فحصا أمنيا – مع شاحناتهم (التي فحصت هي أيضا). وهم يحملون البضاعة وينزلونها في الطرف الفلسطيني، على مسافة نحو 400 متر. "الوسطاء" يعودون والى المنطقة الفلسطينية يدخل سواقون فلسطينيون لم يجتازوا فحصا أمنيا، يحملون البضاعة وينقلونها إلى قطاع غزة، عبر حواجز حماس.
غير مرة يحاول حكم حماس فرض الضرائب على سواقي الشاحنات، ولكن دون نجاح. جملة الإضرابات للسواقين والتجار أوضحت لها بأن جباية الأموال على البضاعة الإسرائيلية التي سبق أن دفعت عليها الضرائب للسلطة الفلسطينية في رام الله، هي مهمة صعبة على نحو خاص.
هذا هو السبب الذي يجعل حماس تريد معبرا قليلا قدر الإمكان للبضائع من إسرائيل، في ظل الاعتماد المتزايد على بديل الأنفاق. بالمقابل، من الأنفاق تجني أرباحا هائلة. الضرائب التي تجبيها حماس على الوقود المستوردة من مصر تدخل نحو 700 مليون شيكل في السنة. مبلغ هائل بالمقياس الفلسطيني. أكثر من 50 في المائة من البضاعة التي دخلت هذه السنة إلى القطاع لم تأتي من إسرائيل.
مصلحة السلطة الفلسطينية معاكسة لمصلحة حماس السماح بإدخال معظم البضائع عبر معبر كرم سالم، لزيادة مداخيل الحكومة في رام الله والمس بمداخيل حماس من الأنفاق.
العبور الحر للبضائع إلى قطاع غزة، عبر إسرائيل وعبر الأنفاق، خلق زخم بناء هائل في القطاع. بالنسبة لإسرائيل قد يبدو هذا غريبا، ولكن في غزة يوجد اليوم نقص كبير في عمال البناء. مجموعات الشباب ترسل بشكل منظم من القطاع إلى تركيا، للحصول على تأهيل مهني.
يعمل معبر كرم سالم الآن في ساعات النهار فقط. كميل أبو الركن وضابط أمن المعبر، عامي شكيد، يدعيان بأنهما جاهزان للعمل في ساعات الليل أيضا، إذا كانت حاجة إلى ذلك – كله حسب قرار القيادة السياسية. "هذا ليس معبر سلام"، يشرحان، "هذا معبر يفترض أن يعمل أيضا تحت التهديد". ولشدة العجب، لا يوجد في هذه الأثناء الكثير من التهديدات. ثلاث مرات أطلقت في السنة الأخيرة قذائف نحو المعبر (ليس كثيرا إذا أخذنا بالحسبان قربه من رفح). وبزعم شكيد، الذي كان في الماضي ضابط أمن غوش قطيف، في أحد الحالات جاء إطلاق النار للاحتجاج على نقل زائد للوقود من إسرائيل إلى قطاع غزة، مما اضعف تجارة الوقود في الأنفاق. بالنسبة لأصحاب الأنفاق، هذه هي طريقة الاحتجاج. فهم أيضا يحتاجون إلى نيل الرزق.
0 التعليقات Blogger 0 Facebook
إرسال تعليق